اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
389
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
لاختلاف المخطوطات 43 . والثابت فقط أنه كان بمصر في عام 732 ه - 1332 ؛ ويبصر كرامرس في مصنفه تأثير المنهج الذي اتبعه الدمشقي في تبويب مادته ولكن يعتقد أن الكتاب قد اعتمد على أساس جغرافى مغاير 44 وهو أمر يوكده توزيع الأقسام المختلفة للكتاب في بعض المخطوطات 45 . فمثلا تتحدث المقالة الثانية في مخطوطة ليننغراد عن « الآثار العلوية والسفلية » أو بمعنى آخر عن العجائب التي يمكن ملاحظتها في السماوات وفيما بين السماء والأرض ؛ أما المقالة الثالثة فتحدث عن « الدنيا وأحوالها والدهور والزمان » . وهي تحفل بأمشاج من المعلومات المتعلقة بالتقاويم ولكنها تجمع إلى جانب ذلك مواد أدبية ذات طابع انتخابى تزينها الأشعار والأقوال البليغة ، وهذا بالطبع لا يتعلق في قليل أو كثير بالكوزموغرافيا كما وأنه من العسير ؟ ؟ ؟ تحديد ارتباطه بالمسودة الأولى للكتاب ؛ أما المقالة الرابعة فتثمل أنموذجا جيدا للكوزموغرافيا عند الحراني بل إن عنوانها نفسه يحدد مضمونها الأساسي وهو « في عجائب الأقطار وغرايب البحار والأنهار والجبال والقفار » ، فهي تنضم إذن في جوهرها لنمط العجائب ( Mirabilia ) المعروف لنا جيدا منذ القرن العاشر . وإزاء كل هذا فإن من السهل علينا أن ندرك السر في أن قسما كبيرا من هذه المقالة قد أفرد لعجائب مصر التي يستقيها أساسا من مصنف إبراهيم بن وصيف شاه ولو أنه لا يشير إليه بصراحة في صفحات كتابه 46 ؛ وهذا القسم بالذات هو الذي ضمنه بأجمعه تقريبا في مصنفه في الكوزموغرافيا سراج الدين بن الوردي - - وذلك بعد مضى قرن من الحراني 47 . أما تلك الأقسام من كتاب الحراني التي تمس بحر قزوين فهي ليست سوى تكرار حرفى لمادة المسعودي والقزويني 48 . وعلى أية حال فإن كتاب الحراني مثال جيد لما طرأ على مادة الكوزموغرافيات القديمة من تبسيط وتقريب إلى أفهام الجمهور في العصور التالية حتى أصبحت تتمتع برواج كبير في أوساط القراء كما يتضح لنا من كتب ابن وصيف شاه والحراني وابن الوردي على التوالي . وإلى جانب الدمشقي يجب أن نذكر شخصية معاصره ومواطنه أبى الفدا الذي احتل في ميدان العلم مكانة أرفع من مكانته والذي يقول رينو Reinaud عن مصنفه الجغرافي وذلك قبل قرن من الزمان إنه يمثل « إلى جانب الإدريسى مؤلفا ضخما في مجاله » ويؤكد في ذات الوقت « أن العصور الوسطى الأوروبية لم تعرف كتابا يمكن مقارنته به » . ولا يزال هذا الحكم صحيحا في جوهره حتى أيامنا هذه ولكن يجب أن تعدل بعض تفاصيله على ضوء تطور البحث في مجال الأدب الجغرافي منذ أن أصدر رينو حكمه هذا . وأبو الفدا على نقيض المؤلفين السابقين له ينتسب إلى فرع دوحة عريقة هي أسرة الأيوبيين التي تولت زمام الحكم في الشرق فهو بذلك تربطه رابطة الرحم بصلاح الدين الأيوبي ، وإلى جانب هذا فهو يتفرد بين سائر الشخصيات التي تشاركه الحسب والنسب في أنه لم يكن من بين رعاة الأدب والفن فحسب كما كان الكثيرون غيره بل كان إلى جانب ذلك مؤلفا كبيرا خلف وراءه مصنفين كبيرين في التاريخ والجغرافيا . وقد أدى انتسابه إلى تلك الأسرة الكبيرة أن تعددت الأسماء التي عرف بها ، فهو وإن ثبتت